المعارضة الاستئنافية في ثوبها الجديد: قراءة في فلسفة المشرع المصري 2026 ​تعد المعارضة الاستئنافية في القوانين التقليدية أحد أكثر المنافذ التي أسيء استخدامها لتعطيل تنفيذ الأحكام النهائية، مما أدى لتراكم القضايا لسنوات. ومع اقتراب تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد في أكتوبر 2026، وضع المشرع حداً لهذا النزيف الإجرائي، ليس بإلغاء المعارضة بشكل مطلق، بل بإعادة صياغتها وفق ضوابط صارمة توازن بين "سرعة التقاضي" و"حق الدفاع". ​1. الإلغاء الجزئي لا الكلي: ما هي الضوابط الجديدة؟ ​لم يمحُ القانون الجديد حق المعارضة تماماً، ولكنه حصرها في "الاستثناء" بدلاً من "الأصل". وتتلخص الضوابط الجديدة في الآتي: ​العلم اليقيني: لا تُقبل المعارضة الاستئنافية إذا ثبت علم المتهم بالخصومة علماً يقينياً (كحضور وكيله أو استلامه الإعلان بشخصه) ثم انقطع بإرادته عن الحضور. ​حالات القبول الحصرية: حصر المشرع قبول المعارضة في حالات محددة، مثل أن يكون الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة أو المدعي بالحقوق المدنية، وتخلف المتهم عن الحضور لعذر قهري تقبله المحكمة. ​قاعدة "العذر المقبول": أصبح على المعارض عبء إثبات أن تغيبه لم يكن بقصد المماطلة، بل لظرف خارج عن إرادته. ​2. أثر التعديلات على سرعة التقاضي ​إن فلسفة التعديل الأخير تهدف إلى تحقيق "العدالة الناجزة". فبموجب التنظيم الجديد: ​سيتم الحد من استهلاك درجات التقاضي في قضايا الجنح التي كانت تستغرق سنوات بين معارضة، ثم استئناف، ثم معارضة استئنافية. ​تعزيز حجية الأحكام الاستئنافية؛ بحيث يصبح الحكم الصادر من محكمة الجنح المستأنفة "نهائياً" واجب النفاذ في أغلب الحالات، مما يسرع من وتيرة تنفيذ العقوبات أو إقرار البراءات. ​3. هل يعد هذا إخلالاً بمصلحة المتهم؟ ​يثور تساؤل مشروع: هل ضحى المشرع بحقوق المتهم في سبيل السرعة؟ الإجابة: لا، لعدة أسباب: ​ضمانة التكنولوجيا: القانون الجديد استحدث "نظام الإعلانات الهاتفية والتقنية"، مما يضمن وصول العلم للمتهم بشكل حقيقي، وبالتالي فإن تقييد المعارضة لا يقع إلا على "المقصر" أو "المتهرب". ​استئناف الجنايات: بالتوازي مع تقييد المعارضة في الجنح، أقر القانون "استئناف أحكام الجنايات" لأول مرة في تاريخ مصر، مما منح المتهم في القضايا الأخطر درجة تقاضي إضافية لم تكن موجودة. ​حق التأجيل لمرة واحدة: ألزم القانون المحكمة بتأجيل نظر الاستئناف لمرة واحدة حال تعذر حضور المتهم أو وكيله، لإعطائه فرصة أخيرة للدفاع قبل صدور حكم غيابي. ​الخاتمة: ​إن إلغاء المعارضة الاستئنافية بشكل غير مطلق هو خطوة جريئة نحو تحديث المنظومة القضائية. المشرع هنا لم يغلق باب العدالة، بل أغلق باب "التسويف"، مؤكداً أن الحق في الدفاع مكفول لمن يحترم إجراءات التقاضي، وليس لمن يتخذ من الثغرات وسيلة لضياع حقوق المجني عليهم.