مقالات القانون والرأي العام
انتحال صفة القضاة داخل المحاكم: مهزلة أمنية تتطلب مراجعة شاملة لمنظومة الرقابة
مشاركة:
تثير الواقعة الأخيرة المتعلقة بضبط شخص انتحل صفة "قاضٍ" ودخل إلى قاعات المحاكم وغرف المداولة لالتقاط صور ومقاطع فيديو بالوشاح القضائي، حالة عارمة من الاستياء والمخاوف المشروعة حول إجراءات التأمين والسلامة داخل المنشآت القضائية.
هذه الحادثة، التي لم تُكتشف إلا عبر بلاغ من مواطن تعرّض للنصب في مبلغ 18 ألف جنيه، لا توصف إلا بكونها جرس إنذار يتطلب وقفة جادة ومراجعة شاملة لمنظومة الرقابة والأمن.
أبعاد الحادثة والتساؤلات المطروحة
تطرح هذه الواقعة عدة تساؤلات جوهرية تمس هيبة القضاء وأمن المحاكم:
اختراق المنظومة الأمنية: كيف يستطيع شخص غريب الدخول إلى أماكن شديدة الخصوصية مثل "غرفة المداولة" والجلوس على منصة القضاء، مرتديًا الوشاح الرسمي، دون أن يُطلب منه إثبات الشخصية أو الهوية الرسمية من قِبل حرس المحكمة؟
عنصر التسهيل الداخلي: يثار التساؤل حول مدى تورط أو إهمال بعض العاملين أو الموظفين داخل المحكمة، أو أداء بعض المساعدين والسكرتارية الذين قد يكونون ساهموا — بقصد أو بغير قصد — في تمكينه من تصوير هذه المقاطع وتسهيل تواجده داخل هذه الأماكن المغلقة.
توظيف وسائل التواصل الاجتماعي: قام المتهم باستغلال هذه المقاطع المصورة على منصات التواصل لإضفاء صفة رسمية وهمية على نفسه، مُستغلاً إياها كأداة إقناع للوجاهة الاجتماعية وللنصب على المواطنين وإيهامهم بقدرته على التدخل في القضايا مقابل مبالغ مالية.
الثغرة الإجرائية والمفارقة
تكمن الخطورة الكبرى في مفارقة كيفية السقوط؛ فلولا البلاغ الفردي الذي تقدم به المواطن بعد تعرضه لواقعة احتيال بمبلغ 18 ألف جنيه، لربما استمر هذا الشخص في ممارسة هذا الانتحال وتضليل المواطنين لفترة أطول. هذا الأمر يسلط الضوء على ضرورة ألا تعتمد الرقابة على الشكاوى الخارجية فقط، بل يجب أن تكون هناك آليات تفتيش وضبط إداري وأمني دوري ومستمر داخل المحاكم.
متطلبات العلاج ومراجعة المنظومة
لضمان عدم تكرار مثل هذه الوقائع واستعادة الانضباط الكامل داخل صروح العدالة، تبرز الحاجة إلى اتخاذ خطوات حازمة:
تشديد الإجراءات الأمنية: إعادة هيكلة وتطوير بروتوكولات الدخول والخروج في المحاكم، خاصة للوصول إلى قاعات الجلسات وغرف المداولة ومكاتب السادة القضاة.
التحقيق مع المتسببين: فتح تحقيقات موسعة مع كافة عناصر الأمن الإداري وحرس المحكمة والموظفين لمعرفة كيفية وصول المتهم لهذه الأماكن، ومحاسبة أي مقصر أو متواطئ.
إحكام الرقابة على الزي الرسمي والتصوير: منع تصوير قاعات المحاكم وغرف المداولة منعًا باتًا إلا بإذن رسمي معتمد، وفرض رقابة صارمة على حيازة الشارات والأوشحة القضائية.
التوعية المجتمعية: توعية المواطنين بعدم الانسياق وراء الادعاءات الوهمية أو التعامل مع أي شخص يزعم القدرة على التأثير في مجريات العدالة خارج الأطر القانونية والمكاتب الرسمية المعتمدة.
خلاصة: إن العدالة وسيادة القانون تتطلبان صون هيبة دور القضاء، وما حدث يُشكل فرصة حقيقية لسد الثغرات وإعادة فرض الانضباط والرقابة الأمنيّة والإدارية للحفاظ على ثقة المواطن في المنظومة القضائية.
