مقالات القانون والرأي العام
بين غياب الحاضنة النقابية وفوضى المنصات الموازية: قراءة في أزمة التمثيل وصيانة هيبة المحاماة
مشاركة:
تُطرح في الأوساط القانونية والنقابية اليوم أسئلة جوهرية لم تعد تقبل التأجيل أو المواربة، أسئلة تمسّ قلب المهنة وكرامة أبنائها: مَن منح الحق لبضعة أفراد أن يتنصبوا أوصياء على "عائلة المحامين" ويتحدثوا باسم جموعهم؟ ومن أين استمدوا هذه الشرعية في عقد تجمعات تُصَدَّر للرأي العام كأنها لسان حال الفرسان الجالسين على سدة الدفاع؟
إن القراءة التحليلية لما دار في هذا الملتقى، وما تلاه من سجالات، تتطلب تفكيك الموقف من أبعاد ثلاثة: أصل الشرعية النقابية، مضمون الخطاب ومساسه بكرامة المحامي، ومستقبل الهيبة التي شُيّد صرحها عبر عقود من التاريخ.
أولاً: أزمة الشرعية والمشروعية (من يتحدث باسم من؟)
في الأعراف النقابية والمهنية السليمة، تنبع الشرعية فقط من صندوق الاقتراع ومن تمثيل الجمعية العمومية. وما عدا ذلك من تجمعات أو ملتقيات ذات صفة "ذاتية" لا تعدو كونها وجهات نظر فردية تعبر عن أصحابها فقط، ولا يجوز بحال من الأحوال إضفاء صبغة الإجماع عليها أو التحدث فيها بصيغة "الأمر الواقع" نيابة عن عشرات الآلاف من المحامين.
تحويل المنصات إلى أداة لفرض الوصاية يتجاهل حقيقة أساسية: أن المحامي أصلاً هو صوت الدفاع والحرية، ولا يقبل أن يكون هناك من يمارس عليه "الوكالة بدون توكيل".
ثانياً: تقييم الطرح (هل أصاب الهدف أم أضر بالجموع؟)
إن السعي لإصلاح الشأن النقابي أو المطالبة بالحقوق هو أمر مشروع بل وواجب، لكن الوسيلة والغايات لا ينفصلان. والمحصلة لما تداوله هذا التجمع – بحسب القراءة السائدة بين جموع المحامين – قد حادت عن إصابة الهدف لأسباب عدة:
تشتيت الصف النقابي: بدلاً من توحيد كلمة المحامين أمام التحديات الجسيمة التي تواجه المهنة (تشريعياً وإجرائياً واقتصادياً)، أدت هذه الطروحات إلى إيجاد حالة من الاستقطاب والشقاق.
إشعال المعارك الجانبية: الانشغال بالسجالات والتراشق اللفظي بدلاً من تقديم رؤى عمل حقيقية تصب في مصلحة المحامي الممارس في أروقة المحاكم.
ثالثاً: المساس بهيبة المحامي وصورته الذهنية
المحامي ليس مجرد يمين يُحلف في جلسة، بل هو الشق الثاني لعدالة القضاء، وهو المقيم للحق والمدافع عن سيادة القانون. ومن هذا المنظر، فإن الخطاب الذي ينزلق إلى تشويه هذه الصورة أو اختزال المحامي في أوصاف تُقلل من قدره – كتشبيهه بأدوار هابطة أو النيل من شيوخ المهنة وشبابها – هو خطأ جسيم في حق الرسالة قبل الأشخاص.
حول ما أُثير في حديث أحمد حجاج: إن الوقائع والحقائق تُقاس بالدليل والحجة القانونية، أما إطلاق التعميمات التي تضع المحاماة في موضع اتهام أو تُميتها في صورة "السمسرة" أو "شراء الذمم"، فهو تجاوز لا يصادف الحقيقة في أصل المهنة. المحاماة بها قامات تدفع حياتها في سبيل الحق، والتعميم الهادم يضر بالصالح العام ويهز ثقة المواطن في محاميه.
تجاوزات شباب المنتسبين (): إن احترام التراتبية المهنية وتقدير "شيوخ المحاماة" كان ولا يزال حجر الزاوية في تقاليد الفرسان. عندما يتوارى الحوار الموضوعي ليحل محله النقد المرسل أو التطاول، تتحول المهنة من ساحة فكر ورسالة إلى مجرد مسرح للتجاذبات، وهو ما يرفضه أبناء العباءة السوداء بكافة أعمارهم.
رابعاً: هل أصبح المحامي "مرمطوناً" في يد قلة؟
إن القول بأن جموع المحامين بشيوخهم ورجالهم أصبحوا لعبة في يد ثلة أو قلة، هو قراءة تحتاج إلى تصحيح من زاوية أخرى: المحامون لم ولن يكونوا تابعين لأحد.
الجمعية العمومية للمحامين أثبتت تاريخياً أنها تملك قدرة عالية على التمييز والفرز، قد يُستغل الصمت المهني لبعض الوقت، لكن القوة الحقيقية تظل مخبوءة في وعي المحامين الذين يدركون متى يتدخلون لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح
إن القراءة المتعمقة لظاهرة ظهور الكيانات الموازية أو التجمعات غير الرسمية – مثل ما سُمي بـ "ملتقى عائلة المحامين" – تُفضي بالضرورة إلى البحث في الأسباب التي أدت إلى نشوئها، وعلى رأسها تراجع وتضاءل الدور الاجتماعي والثقافي للنقابة العامة والنقابات الفرعية.
أولاً: التشخيص المفصلي (تراجع الحاضنة النقابية)
عندما يتراجع الدور التنويري للمؤسسة الرسمية، ويغيب المنبر النقابي المُنظَّم الذي يتيح للمحامين مناقشة قضاياهم ومشاكلهم المهنية بحرية وموضوعية، يُخلق "فراغ حاضن". وفي علم الاجتماع النقابي، الفراغ لا يبدو خالياً لفترة طويلة؛ إذ وسعان ما يُملأ ببدائل موازية.
هذا القصور التنظيمي فتح الباب أمام ظواهر معاصرة اعتمدت على:
عقدة الظهور والتصدر: استغلال حالة عطش القواعد الحوارية لتحقيق حضور فردي.
ركوب موجات "التريند": طرح قضايا المهنة بأسلوب يتسم بالإثارة والشعبوية بدلاً من الدراسة والعمل المؤسسي.
غياب التوجيه المهني: ترك مساحات التعبير والتثقيف لرؤى شخصية قد لا تعكس تقاليد ورزانة أبناء الرداء الأسود.
ثانياً: إعادة تقييم الطرح والأثر المهني
إن السعي للحديث في شأن المحاماة هو حق أصيل لكل محامٍ، ولكن عندما يتم ذلك خارج الإطار المؤسسي وبلا تصريح أو تنظيم نقابي، فإنه ينتهي غالباً إلى نتائج عكسية:
تشتيت الجهود: بدلاً من تقديم رؤية موحدة تُرفع للجهات المعنية (سواء التشريعية أو القضائية)، تتوزع الجهود في تجمعات غير ذي صفة.
المساس بالصورة الذهنية: الإسراف في إطلاق الاتهامات أو اختزال المهنة في ممارسات سلبيّة أمام العلن يُضعف هيبة المحامي وصورته أمام الرأي العام والمؤسسات.
ثالثاً: التوصيات وخريطة الطريق للمواجهة
لمواجهة هذه الظاهرة بشكل جذري ومنع تكرارها، تتحدد الاستراتيجية المطلوبة في محورين متوازيين: المحور الاحتوائي والتثقيفي، والمحور التنظيمي والردعي.
1. المحور الاحتوائي (فتح أبواب النقابة)
استعادة دور البوتقة الجامعة: أن تبادر النقابة العامة والنقابات الفرعية بفتح باب الندوات، والمؤتمرات، والحوارات الدورية المنظمة داخل مقراتها.
استيعاب الطاقات والشباب: توفير منصات رسمية تسمح لكافة الآراء بالظهور والتعبير تحت مظلة نقابية منضبطة، مما يقطع الطريق على أي لجوء للتجمعات الموازية.
إدارة ملفات الشأن العام: أن تتولى اللجان المختصة بالنقابة طرح القضايا الشائكة (التشريعية، الإجرائية، والاقتصادية) للمناقشة العقلانية والمثمرة.
2. المحور التنظيمي والردعي (ضبط السلوك النقابي)
اشتراط التصريح المسبق: حظر تنظيم أي ندوات أو ملتقيات تعتمد مسميات جامِعة (مثل "عائلة المحامين" أو "جموع المحامين") أو تتناول شؤون المهنة العامة، إلا بعد الحصول على تصريح كتابي وموافقة تنظيمية من النقابة العامة.
التفعيل التأديبي: اتخاذ إجراءات تأديبية حاسمة ورادعة ضد كل من يقوم بجمع المحامين أو تنظيم فاعليات خارج نطاق الشرعية النقابية تسيء للمهنة أو تدعي تحدثاً باسم قواعدها بدون توكيل رسمي أو صفة انتسابية محددة.
إن حماية مهنة المحاماة وصون هيبتها لا يتأتى فقط بمنع المخالفات، بل بإعادة الروح إلى المؤسسة الرسمية لتكون هي المقصد والمنبر الوحيد لكل محامٍ يبتغي رفعة شأن رسالته
الخلاصة
إن ما شهده هذا الملتقى يمثل جرس إنذار يتطلب وقفة جادة مع الذات:
إعادة الاعتبار للعمل النقابي المنهجي: الحوار يجب أن يكون تحت مظلة المؤسسات الرسمية والجمعيات العمومية الشفافة.
صيانة هيبة الكارنيه: الحفاظ على كرامة المحامي وشرفه المهني خط أحمر، لا يجوز التضحية به في سبيل مأرب أو استعراض إعلامي.
تغليب لغة الفرسان: التمسك بتقاليد المحاماة التي تقوم على الأدب في الخصومة، والاحترام المتبادل بين الشيوخ والشباب، والترفع عن كل ما يسقط المهنة من أوجِها
